برگزیده جایز هزاره حوزه علمیه نجف و جایزه شهید صدر (قدس سره)
المفهوم القرآني والنبوي للجهاد: مع دراسة فروعه وأحكامه ونقد أساس الجهادية التكفيرية
السید نیما نوروزی(نوری الزنجانی)1*
1 قسم الفقه والقانون الخاص، كلية العلوم والمعارف الاسلامیه، جامعة المصطفى العالمية والمستوى الخارج للفقه والأصول، حوزة قم، قم الشريفة، إيران. البريد الإلكتروني: n.nima1376@gmail.com
الملخّص
يُعدّ موضوع الجهاد من أبرز قضايا الفكر الإسلامي التي عرفت عبر التاريخ تفسيرات متباينة. فالقرآن الكريم والسنّة النبويّة يقدّمان الجهاد بصفته مفهوماً متعدّد الأبعاد مؤسَّساً على مبادئ أخلاقية وإنسانية، في حين أنّ التيارات التكفيرية اختزلته في أداة للعنف والتكفير. ومن هنا تبرز الحاجة الماسّة إلى إعادة قراءة دلالات الجهاد في المصادر الأصيلة. تهدف هذه الدراسة أوّلاً إلى تبيين المفهوم القرآني والروائي للجهاد، وإظهار مكانته في الأبعاد الفردية والاجتماعية والسياسية. ثم تتناول الفروع والأحكام المترتّبة على هذا المفهوم، مثل تقديم الدعوة والسِّلم على القتال، تحريم قتل المدنيين، صيانة البيئة والمقدّسات، الوفاء بالعهود، والإحسان إلى الأسرى. وفي الأخير يُعرَض نقد للرؤية التكفيرية المتشدّدة للجهاد، وبيان تعارضها مع أصول القرآن وسيرة النبي ﷺ.تؤكّد نتائج البحث أنّ الجهاد في منطق القرآن هو أوّلاً جهدٌ شامل في سبيل الله يشمل مجاهدة النفس، والجهاد العلمي والثقافي، والجهاد الدفاعي. كما أنّ الجهاد القتالي في النصوص الإسلامية مقيد دوماً بضوابط أخلاقية وإنسانية، ولا يمكن أن يتحوّل إلى عنف مطلق. وبناءً عليه، فإن القراءة التكفيرية للجهاد ليست فقط مناقضة للقرآن والسنّة، بل تُعدّ خطراً على وحدة الأمة الإسلامية.
الكلمات المفتاحية: الدلالة القرآنية، الجهاد، الجهادية التكفيرية، الجهاد والقرآن، فقه الجهاد.
The Concept of Jihad in the Holy Qur’an and the Prophetic Tradition:An Examination of its Branches, Rulings, and a Critique of Takfiri Jihadism
Sayyed Nima Norouzi(Nouri al-Zanjani) 1*
1. Department of Jurisprudence and Private Law, Faculty of Sciences and Education, Al-Mustafa Al-Alamiyah and Higher Education Level, Qom Seminary, Qom Sharif, Iran. E-mail:n.nima1376@gmail.com
Abstract
The issue of jihad has always been one of the most significant subjects in Islamic thought, with diverse interpretations throughout history. While the Qur’an and Prophetic traditions present jihad as a multidimensional concept grounded in ethical and humanitarian principles, Takfiri movements, through extremist readings, have reduced it to a mere tool for violence and excommunication of others. Hence, a renewed semantic study of jihad within authentic Islamic sources has become essential. The aim of this research is, first, to examine the Qur’anic and Prophetic understanding of jihad and to highlight its diverse dimensions in individual, social, and political contexts. Subsequently, the jurisprudential branches and rulings associated with this concept are analyzed, such as prioritizing invitation and peace over warfare, the prohibition of killing non-combatants, respect for the environment and sacred sites, adherence to treaties, and humane treatment of prisoners. Finally, the extremist Takfiri view of jihad is critiqued, showing its contradictions with Qur’anic principles and Prophetic practice. The findings of this study demonstrate that jihad in the Qur’an is primarily a comprehensive striving in the way of God, encompassing spiritual struggle, intellectual and cultural effort, as well as defensive military engagement. Moreover, military jihad in Islamic sources is always bound by moral and humanitarian constraints, and cannot lead to unrestrained violence. Thus, the Takfiri interpretation of jihad is not only inconsistent with the Qur’an and Sunnah, but also poses a serious threat to the unity of the Muslim Ummah.
Keywords: Qur’anic Semantics; Jihad; Takfiri Jihadism; Jihad and Qur’an; Jihad Jurisprudence
1. المقدّمة
يُعَدّ مفهوما «الجهاد» و«القتال» من أبرز المفاهيم القرآنية ذات التكرار الملحوظ، ويرتبطان في الذهن بالمدافعة والمقاومة والمواجهة. فلفظ «الجهاد» في الاستعمال المعاصر يُستعمل غالباً لمواجهة العدو، وقد ورد في السور المكية والمدنية، بينما «القتال» يدل بوضوح على الحرب ويكثر في السور المدنية. وقد وقع خلاف بين المفسّرين في شأن آية 20 من سورة المزمل؛ فبعضهم عدّها مكية (فخر الرازي، 1420ق: ج30، ص681؛ البيضاوي، 1418ق: ج5، ص255)، وآخرون قالوا إنها مدنية (الزمخشري، 1407ق: ج4، ص634؛ الطباطبائي، 1417ق: ج20، ص74).
إلى جانب هذين اللفظين، نجد كلمات كـ«حرب» (الأنفال: 57)، و«غزا» (آل عمران: 156)، و«دفاع» (الحج: 38)، وكلّها تشترك في الحقل الدلالي للجهاد والقتال، ما يبيّن أنّ القرآن استخدم شبكة متنوّعة من المصطلحات لشرح أبعاد المواجهة. وقد ارتبطت هذه المفاهيم بالحياة الإسلامية منذ صدر الإسلام، إذ استُند إليها في حروب النبي ﷺ، والفتوحات، والصراعات الداخلية، وحتى المنازعات المذهبية (الغفاري، 1390ش: ج19، ص17-18).
التحليل الدقيق للآيات يُظهر أنّ «الجهاد» و«القتال» ليسا مترادفين تماماً، بل لكل منهما دلالته المستقلّة، وإنْ استُعمل أحدهما أحياناً مكان الآخر في التفاسير. وهذا الخلط أورث اختلافاً في فهم بعض الآيات، خصوصاً التي وردت فيها مشتقات «الجهاد» (الغفاري، 1390ش: ج19، ص18). ومن هنا يطرح السؤال: هل استعمل القرآن «الجهاد» و«القتال» بمعنى واحد، أم أنّ بينهما فرقاً دلالياً ووظيفياً؟ ومثاله قوله تعالى: «یا أَیهَا النَّبِی جَاهِدِ الْکُفَّارَ وَالْمُنَافِقِینَ وَاغْلُظْ عَلَیهِمْ…» (التوبة: 73؛ التحريم: 9)، فهل المراد منه الحرب الصريحة؟
وبما أنّ القرآن هو المصدر الأوثق لعقائد وأحكام الإسلام، فلا بدّ من تفسير هذين المفهومين في إطاره الدلالي الذاتي، بعيداً عن الفرضيات السياسية أو التاريخية، ثم مقارنة ذلك بآراء المفسّرين للكشف عن مواطن الانحراف (الطباطبائي، 1417ق: ج1، ص15). والحاجة إلى هذا البحث ملحّة اليوم، إذ جعلت الجماعات المتطرّفة آيات الجهاد ذريعة لأفعال عنيفة، وحصرت معناه في القتال وحده، ما ولّد إساءات في الداخل الإسلامي وصوراً مشوَّهة عن الإسلام عالمياً (قاضي زاده، 2009م: ص88).
وقد تناولت بعض الدراسات الجهاد من زوايا جزئية، مثل «تبيين راهبرد نرمافزارگرایانه جهاد» (جانيپور وستودهنيا، 1395ش: ص45) و«معناشناسي واژه جهاد» (كريمي ميرعزيزي، 1389ش: ص122) التي ركّزت على أبعاده الوعظية والإرشادية. بينما مقالات أخرى كـ«شبهات المستشرقين حول الجهاد والقتال» (قاضيزاده وآخرون، 2009م: ص92) أو «تحليل تناسب آيات القتال في سورة التوبة» (آبسلان، 1392ش: ص63) عالجت مسائل جزئية. غير أنّ معظمها لم يُقارب الموضوع من منظور المفهوم القرآني الداخلي.
من هنا تأتي مساهمة هذا البحث في ثلاثة محاور: أوّلاً، دراسة كيفية توظيف لفظ «الجهاد» في النصّ القرآني؛ ثانياً، تحليل دلالي لآية «جاهد الكفّار والمنافقين»؛ ثالثاً، الاستفادة من آراء المعاصرين مثل آية الله خامنئي في إعادة قراءة المفهوم (خامنئي، 1372ش: ص214). كما يتناول البحث فلسفة الجهاد وآدابه، حيث قُسِّم إلى «ابتدائي» و«دفاعي»، مع أهداف كالدفاع عن الدين ونصرة المظلوم ورفع موانع الإيمان. ومن آدابه: دعوة العدو قبل القتال، وتحريم التعرّض للمدنيين، واحترام المقدّسات (مصباح اليزدي، 1370ش: ص18).
وأخيراً، فإنّ الوقوف على الفروق بين «الجهاد» و«القتال» يفتح الطريق لفهمٍ أوضح لمقام الجهاد في القرآن والسنّة، ويمكّن من التمييز بين «الجهاد الأكبر» أي مجاهدة النفس (آخوندي، 1385ش: ص18)، و«الجهاد الأصغر» أي القتال في سبيل الله (فرازي وحيدري، 1376ش: ص15)، بما يحفظ المفهوم الأصيل من التأويلات المتشدّدة.
2. علم الدلالة وأصالة معنى الجهاد في القرآن الكريم
أخذت الدراسات الدلالية موقعاً بارزاً في العلوم الإسلامية، ولاسيما في فهم القرآن. وتقوم «المدرسة الإدراكية» على أنّ اللغة انعكاس للبنية الذهنية، وأنّ كل لفظ يحمل شكلاً خاصاً من «المفهوم» (Lee, 2001: ص2). ومن هذا المنطلق، فالقرآن ليس مجموعة كلمات فحسب، بل شبكة متكاملة من بناءات مفهومية دقيقة تمثل للإنسان رؤيته للعالم.
المفهوم القرآني يتجلّى في اختيار الألفاظ وتراكيبها بحيث لا تقبل الترادف التام ولا الاستبدال. كما يقول قائمينيا: «التشابه في البنية لا يقتضي الترادف أو إمكان التبادل» (قائمينيا، 1390ش: ص131). ومن هنا، أصالة التعبير القرآني تفرض فهمه ضمن ألفاظه وسياقاته الخاصة، إذ إنّ تبديل المصطلحات يُغيّر الجهاز المعرفي ذاته (قائمينيا، ص191). فالقرآن يقدّم عالماً مفهوماً قائماً بذاته، لا مجرّد تقرير لغوي.
يتضح ذلك في الفرق بين «الجهاد» و«القتال». فالقتال يعني الحرب المباشرة (المصطفوي، 1430ق: ج9، ص217-213)، أما الجهاد فمفهومه أوسع ويشمل بذل الجهد في مواجهة العدو الخارجي، والشيطان، بل والنفس (راغب الأصفهاني، 1412ق: ص208).
2-1. التعريف اللغوي للجهاد والتمييز عن القتال
«القتال» من الجذر «ق ت ل» أي إزالة الحياة، ويدل على الحرب المباشرة (المصطفوي، 1430ق). بينما «الجهاد» من «ج ه د» ويعني المشقّة أو بذل الوسع (ابن فارس، 1404ق: ج1، ص486؛ راغب، 1412ق: ص208). وقد أوضح ابن منظور أنّه «استفراغ الوسع في الحرب أو باللسان أو بكل ما يُطاق» (ابن منظور، 1414ق: ج3، ص135). وذهب مصطفوي إلى أنّ معناه الجامع هو «بذل الجهد للوصول إلى الهدف» (المصطفوي، 1430ق: ج2، ص150).
كما ميّز بعضهم بين «الجهاد» و«الغزو»؛ فالغزو لا يكون إلا في أرض العدو، بينما الجهاد مطلق، وهدفه دفع المعتدي لا مجرد تحصيل الغنيمة (جزائري، 1407ق: ص102). وعليه فالجهاد أوسع من القتال، إذ يشمل ميادين الحرب واللسان والنفس.
2-2. الدلالة القرآنية للجهاد
2-2-1. استعمال لفظ «المجاهد»
من أرقى مظاهر البناء الدلالي في القرآن استعماله تعبير «المجاهد». فقد ورد في سورة النساء حيث يميّز بين «القاعدين» و«المجاهدين»: «لَا یستوی القاعدون من المؤمنین غیر أولی الضرر والمجاهدون فی سبیل الله بأموالهم وأنفسهم» (النساء: 95). ثم فضّل الله المجاهدين: «فضّل الله المجاهدین بأموالهم وأنفسهم على القاعدین درجة...» (المصدر نفسه). وتكرار اللفظ ثلاث مرات في آية واحدة دليل على شدّة الاعتناء به.
وفي سورة محمد: «ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدین منكم والصابرین ونبلو أخباركم» (محمد: 31). فاقتران المجاهدين بالصابرين يكشف أنّ المجاهدة ليست مجرد قتال، بل صفة راسخة كالصبر تدلّ على الإيمان والإخلاص.
ويلاحظ هنا الفرق بين الاسم والفعل؛ فالاسم يدل على الثبوت، والفعل على الحدوث والتجدّد. لذلك جاء «مجاهد» بالصيغة الاسمية ليُشير إلى رسوخ هذه الصفة، بينما «یجاهدون» كان سيدل على فعل متجدد. ومن هنا جاءت أفضلية «المجاهدین» لثبات وصفهم.
ومما يلفت أنّ القرآن لم يستعمل قط «مقاتل» اسماً، بل اقتصر القتال على الصيغة الفعلية. والمراد أنّ الهدف ليس صناعة «محارب» آني، بل تربية «مجاهد» يحمل روح الجهاد في جميع ميادين الحياة، بماله ونفسه، لا في ساحة القتال فقط. وهذا بُعد تربوي قيمي غفل عنه كثير من المفسرين.
2-2-2. الجهاد كتجارة
أراد القرآن أن يرسّخ الفرق بين «الجهاد» و«القتال» عبر صورة بلاغية دقيقة: فشبّه الجهاد بالتجارة، والقتال بالبيع. يقول تعالى:«یا أیها الذین آمنوا هل أدلّكم على تجارة تنجیكم من عذاب ألیم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فی سبیل الله...» (الصف: 10-11). وفي موضع آخر: «إن الله اشترى من المؤمنین أنفسهم وأموالهم... یقاتلون فی سبیل الله فیَقتُلون ویُقتَلون... فاستبشروا ببیعكم الذی بایعتم به» (التوبة: 111).
رأى بعض المفسرين أن الآيتين متشابهتان، وأن الثانية تؤكّد الأولى (الطباطبائي، 1417ق؛ صادقي تهراني، 1365ش). لكن التفرقة بين «التجارة» و«البيع» تكشف أنّ المقصود أعمق. فالتجارة لغةً مهنة دائمة لكسب الربح وتنمية رأس المال (ابن منظور، 1414ق؛ راغب، 1412ق)، بينما البيع فعل جزئي آنٍ يتمّ مرة ثم ينقضي (ابن فارس، 1404ق).
وقد أوضح الطباطبائي ومكارم أنّ «التجارة» تتضمن الاستمرار والمداومة، بخلاف «البيع» الذي يدل على تصرف وقتي (الطباطبائي، 1417ق: ج15، ص127؛ مكارم، 1374ش: ج14، ص483). بناءً على ذلك، فإنّ الجهاد أشبه بالتجارة التي تستمرّ ما دام العمر، فهو ارتباط دائم بين المؤمن وربه، بينما القتال بيعٌ مؤقت يجري في ظرف محدّد.
وبهذا المفهوم، أراد القرآن أن يبيّن أنّ المطلوب من المؤمن ليس الانغماس الدائم في سفك الدماء، بل أن يعيش مجاهداً في كل آن؛ أي أنّ حياته تجارة مستمرة مع الله، يستثمر فيها إيمانه وعمله الصالح، ويقدّم نفسه وماله متى طُلب منه.
2-2-3. أحادية الجهاد في مقابل ثنائية القتال
يُعرض «القتال» في آيات كثيرة على أنّه فعل متبادل دفاعي. قال تعالى: «قاتلوا المشركین كافة كما یقاتلونكم كافة» (التوبة: 36)، «وقاتلوا فی سبیل الله الذین یقاتلونكم ولا تعتدوا» (البقرة: 190).
فالمعنى أنّ القتال ردّ على عدوان الخصم، فإذا بدأ العدو بالحرب وجب على المسلمين الدفاع. وهذا يتأكّد بآيات أخرى مثل: «فقاتلوا أولیاء الشیطان» (النساء: 76)، «أذن للذین یقاتَلون بأنهم ظلموا» (الحج: 39)، وآيات سورة الممتحنة (8-9)، وكلها تدل على أنّ القتال فعل دفاعي ناشئ من مواجهة الاعتداء.
أمّا «الجهاد» فلا يَرِد في القرآن على وجه التبادل؛ فلم يقل: «إذا جاهدكم العدو فجاهدوه». بل هو تكليف أحادي الجانب، يُفرض على المؤمنين بحسب مقتضى الموقف وبتكليف إلهي، لا كردّ فعل مباشر. ومن ثمّ فالجهاد أوسع من القتال، لأنه وظيفة إيمانية وقيمة دائمة يمكن أن تتحقّق في ميادين شتى، ولو في غياب العدوان الخارجي.
2-2-4. الطابع المدحي للجهاد
السياق القرآني يُظهر أنّ آيات «الجهاد» ترد غالباً بصيغة مدحية تبشّر بالثواب: «الذین آمنوا وهاجروا وجاهدوا فی سبیل الله» (البقرة: 218)، «أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا یعلم الله الذین جاهدوا» (آل عمران: 142)، «الذین آمنوا وهاجروا وجاهدوا فی سبیل الله» (التوبة: 20)، «والذین جاهدوا فینا لنهدینهم سبلنا» (العنكبوت: 6)، «یجاهدون فی سبیل الله ولا یخافون لومة لائم» (المائدة: 54).
ويلاحظ أنّ الجهاد هنا يُذكر بأسماء الفاعلين «مجاهدون/مجاهدین» أو بأفعال مضارعة دالّة على الاستمرار، ليُقدَّم كصفة راسخة في ذات المؤمنين، تُثني عليهم وتعدهم بالدرجات العلى.
أما آيات «القتال» فتأتي في صيغة الأمر التكليفي: «وقاتلوا فی سبیل الله» (البقرة: 190)، «فقاتلوا الذین یلونكم من الكفار» (التوبة: 123)، مما يدل على إلزام ظرفي. بل إن القرآن يذمّ ترك القتال، كما في قوله: «وما لكم لا تقاتلون فی سبیل الله» (النساء: 75)، و«ألا تقاتلون قوماً نكثوا أیمانهم» (التوبة: 13).
إذن، يظهر الفرق واضحاً: الجهاد قيمة ممدوحة مرتبطة بالثبات والإيمان، في حين أنّ القتال تكليف إلزامي يُؤمر به عند الحاجة، ويُلام المسلم على تركه.
2-2-5. ارتباط الجهاد بالهِجرة
يذكر القرآن الجهاد أحياناً مقروناً بالهِجرة، ليدلّ على ترابطٍ وثيق بينهما. قال تعالى:
«إنّ الذین آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فی سبیل الله والذین آووا ونصروا أولئك بعضهم أولیاء بعض» (الأنفال: 72).
وقال أيضاً: «والذین آمنوا وهاجروا وجاهدوا... أولئك هم المؤمنون حقّاً لهم مغفرة ورزق كریم» (الأنفال: 74). يدلّ السياق على أنّ الهجرة مقدّمة لازمة للجهاد، إذ لا يتحقق الجهاد الكامل من دونها.
ويرى الطباطبائي في تفسيره لآية آل عمران: «فاستجاب لهم ربّهم أنّی لا أضیع عمل عاملٍ منكم... فالذین هاجروا وأخرجوا من دیارهم وأوذوا فی سبیلی وقاتلوا وقتلوا» (آل عمران: 195)، أنّ «الهجرة» هنا أعمّ من الهجرة التاريخية من مكّة إلى المدينة، وتشمل كلّ تخلٍّ عن التعلّقات الباطلة تمهيداً للجهاد (الطباطبائي، 1417ق: ج4، ص88). وعليه، فالهجرة والجهاد في القرآن ليسا حدثاً ماضياً فحسب، بل منهجاً دائماً للمؤمنين.
أما رشيد رضا، فيرى أنّ القرآن استعمل الجهاد غالباً بمعناه اللغوي الشامل: كلّ مجاهدة للنفس أو للباطل أو في تحمّل الشدائد. ويستشهد بقوله تعالى: «أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا یعلم الله الذین جاهدوا منكم ویعلم الصابرین» (آل عمران: 142)، مؤكداً أنّ اقتران الجهاد بالهِجرة والصبر يثبت شموليته (رشيد رضا، 1990م: ج4، ص128). وعلى خلافه، تمسّك بعض المفسرين كخطیب بمعنى القتال (الخطيب، 1431ق: ج2، ص604). وهذا التباين يدلّ على سعة المفهوم القرآني للجهاد.
2-2-6. لا محدودیة الجهاد
القتال في القرآن مقيّد بالحدود؛ قال تعالى: «وقاتلوا فی سبیل الله الذین یقاتلونكم ولا تعتدوا» (البقرة: 190). وقد فسّر اللغويون «الاعتداء» بالزيادة (ابن منظور، 1414ق: ج7، ص368)، وتجاوز الحد (الفيروزآبادي، 1415ق: ج2، ص572)، ومخالفة الحق (راغب الأصفهاني، 1412ق: ص554). فالمشروع من القتال هو ما التزم هذه الحدود ولم ينقلب إلى ظلم.
أمّا الجهاد، فمفهومه لا يعرف حدّاً سلبياً ولا يُخشى فيه تجاوز؛ إذ هو دوماً في سبيل الحق والخير المطلق. لذلك لم يأتِ في القرآن أيّ نهي عن الجهاد أو تقييد له، بخلاف القتال الذي جاء معه قيد «لا تعتدوا».
وعليه، فالقتال في التصور القرآني فعل ظرفي مشروط بظروف خاصة وبضوابط إلهية، بينما الجهاد تكليف دائم وواسع يمتد إلى ميادين العلم والأخلاق والمال والسياسة والثقافة. ومن هنا، كان سياق الجهاد دوماً سياق مدح وفضيلة، على عكس القتال الذي ارتبط بالأمر والنهي.
2-2-7. الجهاد مفهومٌ مكيّ-مدنيّ
خلافاً للقتال الذي اقتصر على السور المدنيّة، ورد الجهاد في السور المكيّة والمدنيّة معاً. قال تعالى: «والذین جاهدوا فینا لنهدینّهم سبلنا» (العنكبوت: 69)، «وجاهدوا فی الله حقّ جهاده» (الحج: 78). وفي الفرقان خوطب النبي ﷺ بمكّة: «فلا تطع الكافرین وجاهدهم به جهاداً كبیراً» (الفرقان: 52). هذا السياق يكشف أنّ الجهاد في القرآن أوسع من الحرب، ويشمل الجهد العلمي والدعوي والأخلاقي.
ومع ذلك، فسّر بعض المفسرين هذه الآيات على معنى القتال. فالسمعاني نقل عن سفيان بن عيينة أنّ «والذین جاهدوا فینا» نزلت في أهل الثغور (السمعاني، 1418ق: ج4، ص194)، ووافقه البغوي (البغوي، 1420ق: ج3، ص568). وابن عثيمين، مع إقراره بالمعنى العام للجهاد، عدّ من مصاديقه القتال مع الكفار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ابن عثيمين، 1436ق: ص413). فبهذا حُصر المعنى الواسع في المجال العسكري.
بالمقابل، رأى الطباطبائي أنّ قيد «فی الله» يدلّ على العموم والشمول لكل مجهود في سبيل الله، لا القتال وحده (الطباطبائي، 1417ق: ج14، ص412-413). وكذلك أيّدت الروايات التفسيرية هذا التوسّع (الحويزي، 1415ق: ج3، ص523). ومن هنا يظهر أنّ الجهاد مكيّ ومدنيّ، بخلاف القتال، وهو دليل آخر على أنّ المصطلحين غير مترادفين في القرآن.
2-2-8. وجوه أخرى في بناء مفهوم الجهاد
القرآن يربط القتال بنتيجة معيّنة: إمّا القتل وإمّا الغلبة. قال تعالى: «فلیقاتل فی سبیل الله الذین یشرون الحیاة الدنیا بالآخرة ومن یقاتل فی سبیل الله فیُقتل أو یغلب فسوف نؤتیه أجراً عظیماً» (النساء: 74). بينما الجهاد، لكونه مفهوماً أعمّ، لا يُعلَّق على هذه النهايات؛ بل هو محمود سواء تُوِّج بالنصر الخارجي أم بالصبر الداخلي.
كذلك جعل القرآن الجهاد في مصافّ أرفع القيم، مقروناً بالله ورسوله: «قل إن كان آباؤكم... أحبّ إلیكم من الله ورسوله وجهادٍ فی سبیله فتربّصوا...» (التوبة: 24). وهنا يُقدَّم الجهاد معياراً للإيمان، فوق الروابط العائلية والدنيوية.
كما أنّ القرآن يقرن الجهاد غالباً بعبارة «الأموال والأنفس» (التوبة: 41؛ الصف: 11)، ويُقدّم الأموال على الأنفس، إشارةً إلى أنّ بذل المال أعمّ وأيسر على عموم المؤمنين، بينما القتال يستلزم بذل النفس. وهذه الملاحظة دليل آخر على شمول الجهاد واتساع دلالته عن القتال، إذ يتناول ميادين متعدّدة: مالية، نفسية، دعوية وثقافية.
2-3. تبيين آية «جاهد الكفار والمنافقين» على أساس الدلالة القرآنية»
تعدّ آية: «یا أیها النبی جاهد الكفار والمنافقین واغلظ علیهم ومأواهم جهنم وبئس المصیر» (التوبة: 73؛ التحريم: 9)، الوحيدة التي تأمر النبي ﷺ صراحةً بمجاهدة الكفار والمنافقين معاً. غير أنّ الواقع التاريخي يُظهر أنّ النبي ﷺ لم يُقاتل المنافقين قتالاً مسلحاً، مما سبّب اختلافاً واسعاً في التفاسير.
بين المفسرين الأوائل، نُقل عن ابن عباس أنّ الجهاد مع المنافقين هو باللسان والتغليظ في القول (الثعلبي، 1422ق: ج5، ص69)، بينما ابن مسعود عدّد مراتب الجهاد: باليد، ثم باللسان، ثم بالوجه العبوس. وهذا يدل على أنّ معنى «الجهاد» عندهم لم يكن محصوراً في القتال.
أما بعض المتأخرين فقد فهموا الجهاد هنا بمعناه العام؛ فصادقي تهراني يرى أنّ جهاد الكفار يبدأ بالحكمة والموعظة، ولا ينتهي إلى القتال إلا عند اللجاج، وأما المنافقون فجهادهم بإلزامهم الإيمان الحق (صادقي تهراني، 1365ش: ج13، ص226). ومصطفوي يرى أنّ الجهاد هنا هو كل بذل للوسع في دفع الباطل (مصطفوي، 1430ق: ج2، ص150).
في المقابل، ذهب آخرون كمدرّسي (1419ق: ج4، ص227) وطيب (1378ش: ج6، ص270) إلى أنّ الجهاد في هذه الآية يعني القتال. ومطهرّي أكّد أنّ الجهاد في القرآن وإن كان مفهوماً عاماً، لكنه يضمّ القتال بالضرورة (مطهري، 1388ش: ج20، ص230؛ 1391ش: ص480). والطباطبائي يقرّ بأن استعمال «الجهاد» في القرآن شائع بمعنى القتال، مع التمييز بين الكفار حيث يغلب معنى الحرب، والمنافقين حيث يشمل أساليب أخرى كالإصلاح وتأليف القلوب (الطباطبائي، 1417ق: ج9، ص339؛ ج19، ص337).
خلاصة الأقوال أنّ الجهاد في هذه الآية مفهوم جامع، قد يتخذ شكلاً عسكرياً أو دعوياً أو أخلاقياً بحسب السياق. وتكرارها في سورة التحريم – في إطار شؤون أسرية – برهان على أنّ الجهاد ليس محصوراً في الحرب، بل هو رمز للمجاهدة الشاملة.
2-3-1. الروايات التفسيرية لآية «جاهد الكفار والمنافقين»
وردت روايات تؤكّد المعنى الواسع للجهاد. فقد روي عن الإمام الباقر (ع) أنّه قال: «جاهد الكفار والمنافقين بإلزام الفرائض» (القمي، 1404ق: ج1، ص301)، أي أنّ وظيفة الجهاد هنا إقامة الشريعة.
وروي عن النبي ﷺ قوله: «جاهدوا المشركین بألسنتكم وأنفسكم وأموالكم وأیديكم» (ابن حنبل، 1421ق: ج20، ص26)، ما يدل على شمول الجهاد للمجالات المالية والفكرية واللسانية، لا العسكرية فقط.
كما قال ابن مسعود: إنّ النبي ﷺ أُمر بمجاهدة الكفار والمنافقين باليد، فإن عجز فباللسان، ثم بالقلب، وحتى بالوجه الغاضب (السيوطي، 1404ق: ج3، ص258). وهذا يُظهر مراتب متعدّدة للجهاد لا تقتصر على السيف.
2-3-2. نقد آية الله خامنئي للمفسرين
انتقد آية الله خامنئي مساواة بعض المفسرين بين الجهاد والقتال، معتبراً ذلك خلطاً بين الاصطلاح القرآني والاصطلاح الفقهي، حيث عرّف الفقهاء الجهاد بأنه «بذل النفس والمال في محاربة المشركين أو الباغين» (النجفي، 1362ش: ج21، ص3). ويرى أنّ هذا الخلط أفضى إلى سوء فهم الآية، حتى أنّ الالتجاء إلى قراءات نادرة لتفسيرها يُعدّ «عذراً أقبح من ذنب» (خامنئي، 1398ش: ص518).
كما رفض القول بأنّ جهاد الكفار موكول إلى النبي ﷺ وجهاد المنافقين إلى علي (ع)، مبيناً أنّ الخطاب موجّه للنبي مباشرة ولا يصحّ إخراجه منه (المصدر نفسه: ص519). والحلّ عنده هو الرجوع إلى المفهوم القرآني للجهاد الذي يشمل طيفاً واسعاً من المقاومة والمجابهة.
وللتأكيد استشهد بحديث النبي ﷺ لعثمان بن مظعون: «یا عثمان لا تفعل فإن سیاحة أمتی الغزو والجهاد» (الطوسي، 1407ق: ج6، ص122). وحيث إنّ «الغزو» يعني القتال المسلح، فإنّ إقرانه بـ«الجهاد» يدلّ على أنّ الجهاد أوسع وأشمل من القتال. وهذا يثبت أنّ القرآن أراد للجهاد أن يكون مفهوماً مركّباً متعدّد الأبعاد، يتجاوز حدود الحرب العسكرية.
2-4. مفهوم الجهاد من منظور القرآن
تُظهر دراسة آيات القرآن أنّ للجهاد سمات خاصّة تميّزه عن غيره من المفاهيم المشابهة. فهو مفهوم أحاديّ الاتجاه، ورد في السور المكيّة والمدنيّة، مقترن بالهِجرة، مُعطىً لقب «المجاهد»، واسع زماناً ومكاناً، وغالباً ما جاء في سياق مدحيّ إيجابيّ. وهذه الخصائص تدلّ على أنّ الجهاد في القرآن ليس حكماً فقهياً أو عسكرياً فحسب، بل قيمة أخلاقية وحضارية.
وأحد أبرز نتائج البحث التمييز بين «الجهاد» و«القتال». فالقتال في مواضع جزء من الجهاد، لكن حصر الجهاد في معنى الحرب إهمال للبناء القرآني الدقيق للألفاظ. هذا الخلط جعل بعض المفسّرين يفسّرون آية «جاهد الكفار والمنافقين» بالقتال وحده، بينما أكّد آخرون الفرق بينهما.
ومن النقاط المركزية «الجهاد الكبير» المذكور في الفرقان، حيث أُمر النبي ﷺ أن يجاهد بالقرآن، لا بالسيف: «فلا تطع الكافرین وجاهدهم به جهاداً كبیراً» (الفرقان: 52). وهذا برهان على أنّ الجهاد أوسع من الحرب، إذ يشمل النضال الفكري والثقافي والاجتماعي والأخلاقي. فكلّ جهدٍ في مواجهة الباطل يدخل في دائرة الجهاد.
وبذلك يتّضح أنّ الجهاد القرآني يتسع لجميع مساعي المسلمين لمواجهة أعداء الدين، سواء كانت ثقافية أو سياسية أو اجتماعية، أو عند الضرورة عسكرية. وتشمل مصاديقه أيضاً الدفاع عن القيم، توحيد الصفوف، مقاومة وساوس النفس، وتبليغ الحقائق. ومن ثمّ، فالجهاد ليس مجرّد «قتال»، بل جهد حضاري شامل.
وفي الخلاصة، كلّ كفاح «في سبيل الله» لمنع «الصدّ عن سبيل الله» يُسمّى جهاداً، بينما أفعال المشركين سُمّيت «قتالاً» لا «جهاداً». فالقرآن أضفى على الجهاد قيمة عليا، باعتباره أرقى صور السعي الديني، الجامع بين الماديّ والمعنويّ، الفرديّ والجماعيّ، الدفاعيّ والهجوميّ، وفق ضوابط إلهية.
3. تبيين الجهاد الاصطلاحي من منظور الفقه
يتبيّن من آيات القرآن وتفاسير العلماء أنّ «الجهاد» أعمّ من «القتال»؛ فهو كلّ سعيٍ في سبيل الله، بينما القتال مجرّد مصداق من مصاديقه (مصباح یزدي، 1383ش: ص18؛ مكارم الشيرازي، 1376ش: ج2، ص412). ولذلك ميّز المسلمون عبر التاريخ بين مستويين:
1.الجهاد بالمعنى العام (الجهاد الأكبر): يشمل مجاهدة النفس، المقاومة الثقافية، السعي العلمي والاجتماعي لتحقيق القيم الدينية (مطهري، 1385ش: ص121).
2.الجهاد بالمعنى الخاص (الجهاد الأصغر): أي القتال المسلّح دفاعاً عن الإسلام، وإزالة موانع الدعوة، ونصرة المظلومين (فرازي وحيدري، 1377ش: ص15؛ نوري، 1368ش: ص14).
وعليه، فالقتال جزء من الجهاد، لكن القرآن لم يسمِّ حرب المشركين «جهاداً» ما لم تكن «في سبيل الله»، بل سماها «قتالاً» (سبحاني، 1375ش: ج7، ص89). فشرط الجهاد الدافع الإلهي.
ومع هذا التمايز، يركّز الفقه الإسلامي على بيان حدود وأحكام وفروع الجهاد في الواقع الاجتماعي والسياسي: هل هو واجب أم مستحب؟ ما شروطه؟ ما أقسامه (ابتدائي ودفاعي)؟ وما آدابه الشرعية؟ (النجفي، 1362ش: ج21، ص3؛ الإمام الخميني، 1384ش: ج1، ص456).
3-1. فضیلة الجهاد من منظور القرآن الكريم
يحتلّ الجهاد في القرآن منزلة رفيعة تجعله من أحبّ الأعمال إلى الله تعالى. قال سبحانه:
«إنّ الله یحبّ الذین یقاتلون فی سبیله صفّاً كأنهم بنیان مرصوص» (الصف: 4).
فالآية لا تكتفي ببيان فضل الجهاد، بل تؤكّد على وحدة الصفّ والانسجام بين المجاهدين، وهو أساس النصر الإلهي (مكارم الشيرازي، 1376ش: ج24، ص345).
كما أكّدت الأحاديث فضله، فقد قال النبي ﷺ: «ما أعمال العباد كلّهم عند المجاهدین فی سبیل الله إلا كمثل خطّاف أخذ بمنقاره من ماء البحر» (محمدي ريشهري، 1377ش: ج2، ص837). أي أنّ قيمة عمل المجاهدين تفوق سائر الأعمال كما يفوق البحر القطرة.
وتتجلّى فضيلة الجهاد في أبعاده الفردية والاجتماعية والحضارية؛ فهو يحفظ كيان الأمة، يصون القيم التوحيدية، ويهيّئ للنموّ الروحي والسياسي للمسلمين. ولذا وُصف الجهاد بأنّه «سنام الإسلام» أي قمّته. ففضيلته ليست أخروية فقط، بل تمتدّ إلى حياة الأمّة ومصيرها.
3-2. حكم الجهاد في القرآن والروایات
من أهمّ النصوص الدالّة على وجوب الجهاد قوله تعالى:
«كُتب علیكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شیئاً وهو خیر لكم وعسى أن تحبّوا شیئاً وهو شرّ لكم» (البقرة: 216). وقد فسّر المفسّرون لفظ «كُتب» بمعنى «فُرض» لأنه يُستعمل في القرآن للأحكام القطعية (مدیر شانهچی، 1380ش: ص126). فالآية تدلّ على فرضية الجهاد.
ورأى جمهور الفقهاء أنّه واجب كفائي؛ فإذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين. غير أنّه قد يتحوّل إلى واجب عيني إذا عيّن الإمام أو القائد أحداً للجهاد (المصدر نفسه: ص127). وهذا يكشف مرونة الحكم تبعاً لظروف المجتمع وحاجاته.
وتكمن أهمية الآية في أنّها تعترف بمشقّة الجهاد، لكنها تكشف أنّ وراءه خيراً عظيماً: حماية الإيمان، حفظ عزّة الأمة، وتحقيق إرادة الله. ومن هنا فالجهاد تكليف شرعي وتربوي وإيماني في آنٍ واحد.
3-3. أقسام الجهاد عند المشهور
يقسَّم الجهاد في التعاليم الإسلامية إلى قسمين أساسيين: الجهاد الدفاعي و الجهاد الابتدائي.
الجهاد الدفاعي هو مقاومة كلّ عدوان يهدّد النفس أو المال أو العرض أو الأرض. وهذا النوع أمر فطريّ وعقلائيّ، وقد أقرّته جميع الشرائع والعقول (مصباح يزدي، 1383ش: ص135؛ عباسنژاد، 1384ش: ص82). يتميّز بأنّه لا يشترط فيه إذن الإمام المعصوم، بل يجب على الجميع ـ رجالاً ونساءً، شيوخاً وشباباً ـ الدفاع بما يملكون من الوسائل (شكوري، 1377ش: ص369-370؛ الإمام الخميني، 1384ش: ج2، ص327). ويشمل القتال ضدّ الكفّار المهاجمين أو أهل البغي الذين يخرجون على الإمام العادل ويزرعون الفتنة (مصباح يزدي، 1383ش: ص126؛ شكوري، 1377ش: ص375).
أمّا الجهاد الابتدائي فهو مهاجمة ديار الكفّار والمشركين بهدف إتاحة الفرصة لهم لمعرفة الإسلام ودعوته (آخوندي ورفاقه، 1384ش: ص19؛ مصباح يزدي، 1378ش: ج3، ص420-421؛ شكوري، 1377ش: ص367). لكن هذا القسم مشروط بوجود الإمام المعصوم وإذنه الخاصّ (شكوري، 1377ش: ص369). كما يجب أن يسبق القتالَ دعوةٌ إلى الإسلام يقوم بها الإمام أو من ينوب عنه (المحقق الحلي، 1414ق: ج1، ص112).
يشترط في المجاهدين شروط كالعقل والبلوغ والحرية وسلامة البدن والذكورة (شكوري، 1377ش: ص369؛ آخوندي ورفاقه، 1384ش: ص20). والجهاد الابتدائي يتوجّه بالأساس ضدّ فئتين: أهل الكتاب إذا قاوموا الحقّ، والملحدين الذين لا يؤمنون بالله ولا برسله (شكوري، 1377ش: ص369 و374). ومن هنا فالجهاد الابتدائي ليس ردّ فعل سريعاً، بل عملٌ منظّم ومشروط لا يُمارس إلا تحت قيادة معصومة.
3-4. هدف الجهاد
الهدف هو المحرّك الأساس لكلّ مسيرة إنسانية (شفائي، 1365ش: ص32). وقد شُرّع الجهاد في الإسلام لغرض سامٍ، وهو أن يكون كلّه «في سبيل الله». ولذلك قرن القرآن الجهاد بهذا القيد في موارد كثيرة (نوري، 1368ش: ص50). بل ميّز بين نوعين من القتال: «الذين يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت» (النساء: 76).
ومن ثمّ، فكلّ أبعاد الجهاد ـ من السلاح المستعمل إلى أسلوب الحرب ومعاملة الأسرى ـ يجب أن تخضع لمعيار «في سبيل الله» (مكارم الشيرازي، 1376ش: ج2، ص18). وهذا يمنع تحوّل الجهاد إلى وسيلة للعدوان أو الاستعمار أو العنف الفوضوي.
وقد أوصى النبي ﷺ أصحابه قائلاً: «قاتلوا باسم الله ولتكن نيتكم الله وحده، الذي حرّم الدماء إلّا بالحقّ؛ وإياكم أن تخرّبوا أو تقتلوا من غير ضرورة أو من غضب» (سبحاني، 1375ش: ج7، ص173). وهذه الوصية تبيّن أنّ الجهاد الإسلامي محكوم بإطار أخلاقي وإلهي، ومتميّز عن سائر الحروب البشرية.
5-3. فلسفة الجهاد
الجهاد في الفكر الإسلامي ليس عملاً عسكريّاً صرفاً، بل له فلسفة عميقة ومتعدّدة الأبعاد. غايته حفظ كرامة الإنسان وصون القيم الإلهية ومنع الفساد والانحراف. لذلك قرن القرآن الجهاد بالإيمان والعدل، واعتبره وسيلة لمواجهة الظلم والكفر والطغيان. ومن ثمّ فالجهاد تكليف إلهيّ يهدف إلى تحقيق مقاصد الدين وحماية خطّ التوحيد.
1-5-3. الدِّفاع
الدفاع من أهمّ دوافع الجهاد، وهو غريزة فطرية؛ فلا مخلوق يقف ساكناً أمام التهديد والعدوان (فرازي وحيدري، 1377ش: ص45). ومن هنا شرّع الإسلام الجهاد الدفاعي حقّاً ثابتاً للمسلمين لحماية النفس والمال والعِرض والدين. وهو ضرورة حياتية لبقاء الأمة، لا خياراً ثانوياً.
وقد أكّد القرآن مشروعيته في مواضع عديدة: «وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرضُ» (البقرة: 251)، و«أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلونَ بِأَنَّهُم ظُلِموا» (الحج: 39). فهذه الآيات تُظهر أنّ الدفاع ليس جائزاً فحسب، بل واجباً لحفظ العدل والأمن. كما بيّن القرآن بعده الاجتماعي والإنساني في قوله: «وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللهِ كَثِيراً» (الحج: 40). أي إنّ فلسفة الدفاع تتجاوز المسلمين لتشمل حماية حرية العبادة لجميع المؤمنين، بما يمنع هيمنة الظلم وهدم القيم الدينية والإنسانية.
2-5-3. إزالة العوائق أمام الإيمان والتوحيد
من فلسفات الجهاد كذلك إزالة الحواجز التي تعترض سبيل التوحيد. فالإسلام يرى التوحيد حقّاً فطريّاً وطبيعياً لكلّ إنسان، وحمايته واجبة (خاتمي، 1363ش: ص36؛ مطهري، 1385ش: ص70 و86). والجهاد أداة لرفع تسلّط القوى التي تمنع انتشار الإيمان وتسدّ حرية اختيار الدين.
وقد صرّح القرآن بذلك: «وَقاتِلُوهُم حتّى لا تَكونَ فِتنةٌ ويَكونَ الدِّينُ لله» (البقرة: 193). وقد فسّر كثير من المفسّرين «الفتنة» هنا بالشرك (مكارم الشيرازي، 1376ش: ج2، ص22). فالجهاد يصبح واجباً إذا تحوّل الشرك إلى نظام يمنع الناس من الدعوة الحرّة إلى الحق.
ولا يعني ذلك إلزام الناس جميعاً بالإيمان، بل المقصود إقامة نظام اجتماعيّ وسياسيّ توحيدي يكسر هياكل الكفر ويُمهّد للعدالة والحرية الروحية (مصباح يزدي، 1383ش: ص153). وبذلك يكون الجهاد وسيلة لتحرير المجال العام للعبادة والإيمان، لا لفرض العقيدة بالقوة.
3-5-3.حُرّیّةُ الدَّعوةِ وإزالةُ مَوانِعِ التَّبلیغ
من أهمّ أهدافِ الجهادِ في الإسلامِ تأمينُ حريّةِ الدعوةِ وإزالةُ العوائقِ أمامَ تبليغِ الدين. فقد أنزلَ اللهُ تعالى شريعتَهُ لِسعادةِ البشرِ كافةً، ومن حقّ الناسِ أن يسمعوا رسالةَ الوحي ويختاروا بحرّيّة. فإذا حالَ نظامٌ سياسيّ أو قوّةٌ طاغوتيّة دونَ وصولِ هذا النداءِ الإلهي، شُرِّع الجهادُ كوسيلةٍ مشروعةٍ لإزالةِ المانع، لا لفرضِ العقيدة بل لفتحِ المجال أمامَ التبليغ الحرّ (مكارم الشيرازي، 1376ش: ج2، ص22).
وقد فسّرَ كثيرٌ من المفسّرين «الفتنة» في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (البقرة/193) بأنها صدٌّ عن الإيمانِ ومنعُ الناسِ من الإسلام. فالجهادُ الابتدائي ـ بحسب هذا المعنى ـ يهدفُ إلى رفعِ الحواجزِ ليبقى الناسُ أحراراً في قبولِ الحقّ أو رفضِه. وهكذا يصبحُ الجهادُ في هذا البُعد دفاعاً عن حقٍّ فطريٍّ عالميّ، أي سماعُ الدعوةِ الإلهيّة واختيارُ الدين عن وعيٍ واختيار، لا بالإكراه.
4-5-3. نُصرةُ المظلومين
من مقاصدِ الجهادِ في الإسلام نُصرةُ المظلومين والمستضعفين. فقد عاتبَ القرآنُ المؤمنين بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (النساء/75). وهذه الآيةُ تُبرز أنّ الجهادَ ليس فريضةً إلهيّةً فحسب، بل مسؤوليّة إنسانيّة للدفاع عن حقوق الضعفاء، وكسرِ قيود الظلم عنهم وتحقيقِ العدالة الاجتماعيّة (فرازي وحيدري، 1377ش: ص47). لذا فالمسلمون مكلَّفون بعدمِ التخاذل أمام الظلم، ولو كان المظلومون في أراضٍ بعيدة (نوري، 1368ش: ص50).
وقد فسّرَ المفسّرونُ هذه الآية بأنّ الجهاد الإسلامي ليس لمطامع مادّية أو توسّعيّة، بل لتحقيق غايتين أساسيتين: الدفاع عن الحقّ الإلهيّ وحماية المظلومين (مكارم الشيرازي، 1371ش: ج4، ص10). ويضيفُ العلّامة الطباطبائي أنّ غيرتهُ الإنسانيّة تفرضُ نصرة النساء والأطفال العاجزين، ولو كان إيمانُ بعضهم ضعيفاً (الطباطبائي، 1390ش: ج4، ص419).
كما يأمرُ القرآنُ بمقاتلة الظالمين ولو كانوا من داخل الأمة: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (الحجرات/9). وهذا يدلّ على أنّ العدالة مقدَّمة على الراحة الفرديّة (مكارم الشيرازي، 1371ش: ج22، ص167). بل توعّدَ اللهُ الظالمين بأشدّ العقاب: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (الشورى/42)، و﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان/19).
ووعدَ تعالى المستضعفينَ بالتمكين: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص/5؛ الأعراف/137؛ إبراهيم/13-14). كما رخّصَ للمظلومين إظهارَ الشكوى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ... إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (النساء/148)، وقال المفسّرون إنّ هذا يدلّ على جواز فضحِ الظالم دفعاً لظلمه (مكارم الشيرازي، 1371ش: ج4، ص184).
وفي الروايات، أوصى أمير المؤمنين (ع) ولدَيه: «وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْمًا وَلِلْمَظْلُومِ عَوْنًا» (الشريف الرضي، 1414ق: ص421). كما دعا الإمام السجّاد (ع) في الصحيفة السجاديّة أن لا يكون قد قصّر في نصرة المظلوم (الإمام السجاد، 1376ش: ص166).
وبناءً على هذه النصوص، أفتى فقهاءُ الشيعة بوجوبِ نصرةِ المظلوم، ولو استلزمَ الجهادَ والخطر. فالكاشف الغطاء عدّها واجباً كفائيّاً (كاشف الغطاء، 1422ق: ج4، ص367)، بل صرّحَ العلّامة الحلّي وصاحبُ الجواهر بجوازِ الكذب أو اليمين الكاذبة أحياناً لحماية المظلوم (العلّامة الحلّي، 1413ق: ج3، ص270؛ النجفي، 1362ش: ج35، ص342).
وهكذا يتبيّن أنّ نصرةَ المظلوم أصلٌ قرآنيّ وروائيّ وفقهيّ يتجاوزُ حدودَ الدينِ والعرق، ويُعطي للجهادِ بُعداً إنسانيّاً عالميّاً غايتُه إقامةُ القسطِ وكسرُ شوكةِ الطغيان.
6-3. آدابُ الجهاد
إنّ الإسلامَ ـ لكي لا يخرجَ الجهادُ عن مساره الأصليّ، وهو نشرُ الحقّ والعدل والدفاعُ عن الإنسانيّة ـ وضعَ آداباً وضوابطَ دقيقة تُميِّزه عن الحروب التقليديّة وسفك الدماء بلا غاية. وهذه الآدابُ تعكسُ بوضوح أنّ الجهاد الإسلاميّ ذو رسالة إنسانيّة وأخلاقيّة.
أوّلاً، الدعوةُ إلى الإسلام: الأصل في الجهاد أن يكون وسيلةً للهداية لا للإكراه والسيطرة. لذلك أوصت النصوصُ بأن تُسبقَ الحربُ بالدعوة إلى الإسلام، ليُعطى الخصمُ فرصةَ المعرفة والاختيار (المحقّق الحلّي، 1414ق: ج1، ص112). وقد صرّح الفقهاءُ أنّ هذا الأدب خاصٌّ بالجهاد الابتدائي، وأمّا الدفاعيّ فغايته دفعُ العدوان ولا يتوقّف على الدعوة (خاتمي، 1372ش: ص51). وهكذا يتّضح الفرقُ الجوهريّ بين جهاد الإسلام والفتوحات الاستعماريّة في التاريخ.
ثانياً، رعايةُ المبادئ الإنسانيّة: الإسلامُ حتّى في ساحة القتال لا يُسقطُ حرمةَ الإنسان. فقد نُهي المسلمون عن قتل النساء والأطفال والشيوخ ومن لا طاقة له بالقتال، كما أوجب الشرعُ حسنَ معاملة الأسرى وتأمينَ حاجاتهم الضروريّة وعدمَ تعذيبهم (فرازي وحيدري، 1381ش: ص124). فهذا يثبت أنّ الهدفَ الإنسانيَّ للجهاد لا ينفصلُ عن أسلوب تنفيذه.
ثالثاً، اجتنابُ الوسائل غير الإنسانيّة: نهت الرواياتُ عن استعمال الأساليب التي تُفضي إلى دمارٍ واسعٍ غير ضروريّ، مثل تسميم الأرض، أو منع الماء، أو تخريب المزروعات والثمار (فرازي وحيدري، 1381ش: ص118؛ الحرّ العاملي، 1409ق: ج11، ص46؛ النوري الطبرسي، 1408ق: ج11، ص41، ح12382؛ عمادزاده، 1370ش: ص281). وهذه القاعدة الأخلاقيّة تدلّ على أنّ الحربَ في الإسلام ليست بلا حدود، بل تضبطها قواعدُ تحمي البيئة والسكّان غير المقاتلين.
رابعاً، الوفاءُ بالعهد: من أبرز سمات الجهاد الإسلاميّ أنّه يلتزمُ بالعهود والمواثيق، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة/1). فلا يجوز للمسلمين نقضُ العهد ما دام العدوّ لم ينقضه (فرازي وحيدري، 1381ش: ص122). وهذا يؤكّد أنّ الإسلامَ يُعلي شأنَ الثقة والأمانة حتّى في أحلك الظروف.
خامساً، إجابةُ طالبِ الأمان: من دلائل الرحمة الإسلاميّة أنّ مَن يطلبُ الأمان ليسمعَ كلامَ الله، أو ليفتش عن الحقّ، يجب على المسلمين أن يُجيروه ويؤمّنوه (فرازي وحيدري، 1381ش: ص122). وبهذا يتبيّن أنّ الحربَ في الإسلام ليست لإلغاء حريّة الاختيار، بل لفتح الطريق أمامها.
سادساً، احترامُ المقدّسات: شدّد الإسلامُ على صيانة المقدّسات في جميع الأحوال؛ فلا يجوز الاعتداءُ على المساجد، ولا انتهاكُ حرمة الأشهر الحُرُم، ولا حتّى سبّ آلهة المشركين: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام/108). فالمقصدُ حفظُ قدسيّة الشعائر ومنعُ إثارة العداوة العمياء (مصباح اليزدي، 1380ش: ج3، ص423). وبذلك يظهر أنّ آدابَ الجهاد ليست تفصيلاتٍ ثانويّة، بل تمثّلُ جوهرَه الأخلاقيَّ الذي يميّزه عن الحروب البشريّة القائمة على الأطماع، وتجعلُه أداةً للحقّ والعدل وحفظ الكرامة الإنسانيّة.
3-7. نقدُ بعضِ الشُّبُهات حولَ الجهاد
أوّلاً، مسألةُ الجِزية وحرّيّةُ الاعتقاد: إذا كان هدفُ الإسلام هدايةَ الناس، فلماذا شُرِّعَ قانونُ «الجزية» الذي يُمكّنُ أهلَ الكتاب من البقاء على عقيدتهم مقابل دفع ضريبةٍ ماليّة؟ أليس في ذلك تشجيعٌ على التمسّك بالباطل؟
والجواب: أوّلاً، من مفاخر الإسلام أنّه لا يُكره أحداً على الإيمان، إذ الإيمانُ القسريّ لا يستقرّ في القلب. ثانياً، الجزيةُ في حقيقتها ضريبةٌ ماليّة مقابلَ الأمن الذي توفّره الدولةُ الإسلاميّة، وهي شبيهةٌ بالزكاة والخمس المفروضَين على المسلمين (وحيدي، 1379ش: ص291-292). ثالثاً، أديانُ أهل الكتاب قائمةٌ على التوحيد، ولذلك قُرِّبت من الإسلام، بخلافِ المشركين الذين يعبدون الأوثان.
ثانياً، محاربةُ الشِّرك واحترامُ العقائد: أليس القتالُ ضدّ المشركين سعياً لإزالة الشرك منافياً لاحترام حرّيّة العقائد؟
والجواب أنّ هناك فرقاً بين «حرّيّة الفكر» و«حرّيّة العقيدة». الفكرُ قائمٌ على المنطق والبرهان، أمّا بعضُ العقائد فهي محضُ تقليدٍ وعادةٍ بلا أساسٍ عقلانيّ. والإسلامُ يعتبرُ هذه العقائد ـ كالوثنيّة ـ خرافةً وانحرافاً، ويُعَدُّ التصدّي لها رفعاً للعوائق أمام الحقيقة لا انتهاكاً للحرّيّة (مطهري، 1359ش: ص87؛ وحيدي، 1379ش: ص288).
ثالثاً، صلابةُ الإمام عليّ(ع) في الحرب ورحمتُه: كيف تنسجمُ شدّةُ الإمام عليّ(ع) في القتال مع ما عُرف به من رحمةٍ وعطف؟
الجواب أنّ الحربَ ميدانُ مصيرٍ وجوديّ، وأيُّ تساهلٍ فيه يؤدّي إلى غلبة الباطل. ثمّ إنّ العضوَ الفاسد في المجتمع إذا صار خطراً على الآخرين، وجب على القيادة أن تستأصله لصيانة الكيان الإنسانيّ (جعفري، 1360ش: ص57-59). فالحزمُ في القتال ليس عنفاً أعمى، بل هو حمايةٌ للحقّ وقيمِه.
رابعاً، الإسلامُ والسيف: لولا السيفُ لما انتشر الإسلام في الجزيرة العربيّة.
والجواب أنّ السيفَ لا يفتحُ القلوبَ والعقولَ، بل غايةُ ما يفعله السيطرةُ على الأجساد. والتاريخُ يُثبت أنّ النبيّ (ص) لم يُكره أحداً على الإسلام (دريايي، 1372ش: ص104-105؛ جعفري، 1360ش: ص34). بل انتشارُ الإسلام كان لعواملَ أُخرى، منها: شخصيّةُ النبيّ وسيرتُه (جاودان، 1365ش: ص180)، وبساطةُ تعاليمه وعقلانيتُها (جعفري، 1360ش: ص36)، وشموليّتُ رسالته (دريايي، 1372ش: ص105).
خامساً، وجودُ قانون الحرب في الإسلام: إنّ وجودَ أحكامِ الحرب في الإسلام دليلٌ على عنفه، بينما المسيحيّة تخلو منها.
والجواب أنّ فلسفةَ الجهاد هي دفعُ العدوان وحمايةُ حقوق الإنسان. أمّا الجهادُ الابتدائيّ فلتذليل العوائق أمام التوحيد وإيصالِ الحقّ للناس. وقد حُرِّمت الحربُ في أربعة أشهرٍ حُرُم دلالةً على سِلمية الإسلام (وحيدي، 1379ش: ص289). وفوق ذلك، الإسلامُ دينٌ شامل يُعنى ببناء المجتمع، ومن ثَمّ يحتاجُ إلى ضماناتٍ تشريعيّة، بخلاف المسيحيّة التي اقتصرت على المواعظ ولم تُتح لها فرصةُ إقامة دولةٍ تدافعُ عن نفسها (مطهري، 1359ش: ص28-29؛ قاضي، 1370ش: ص127).
سادساً، الحربُ في سيرة الأنبياء السابقين: لماذا لم يخضْ الأنبياءُ السابقون حروباً، بل اكتفوا بالدعوة؟
والجواب أنّ القرآنَ يصرّح بأنّ كثيراً من الأنبياء قاتلوا أعداءهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ (آل عمران/146). ومثالُ ذلك قتالُ موسى(ع) للعمالقة، ودعوةُ سليمان(ع) لملكة سبأ. كما أنّ المصادر التاريخيّة والعهدَ القديم يُثبتان أنّ بعضَ الأنبياء مارسوا الحربَ عند الضرورة كوسيلةٍ للدفاع والهداية (مصباح اليزدي، 1378ش: ص92).
4. دراسة إمكان إحالة مفهوم «الجهاد الابتدائي» إلى «الجهاد الدفاعي» في ضوء فقه القرآن
إنّ الجهاد من الفرائض الكبرى في الإسلام، وقد كان على الدوام محطَّ عناية الفقهاء والمفسِّرين. والسؤالُ الجوهري هنا هو: هل شُرِّع الجهاد لمجرّد الدفاع عن الإسلام والمسلمين، أم يمكن أن يكون ابتدائيّاً يهدف إلى إجبار غير المسلمين على اعتناق الإسلام ولو لم يبدؤوا عدواناً؟ لقد تبنّت المدرسة الفقهية الكلاسيكية، في أوساط الإمامية والسنّة على السواء، تقسيم الجهاد إلى «دفاعي» و«ابتدائي». واعتبرت القسم الثاني مشروعاً ضدّ الكفّار لمجرّد كفرهم، وهو ما أثار إشكاليّة الإكراه في الدين وأعطى صورة سلبيّة عن الإسلام. غير أنّ العودة إلى النصّ القرآني تكشف أنّ الآيات جميعها لا تدلّ إلا على مشروعية القتال في حالة الدفاع، وأنّ ما سُمّي بالجهاد الابتدائي لم يكن سوى اجتهاد فقهي تاريخي.
1-4. آراء الفقهاء القائلين بالجهاد الابتدائي
يرى عدد من الفقهاء الكلاسيكيّين أنّ الجهاد الابتدائي واجب، غايته حمل غير المسلمين على الإسلام أو إخضاعهم لسلطان الدولة الإسلامية بدفع الجزية.
في الفقه الإمامي: المحقّق الحلّي (المحقّق الحلّي، 1414ق: ج١، ص١١٢) نصّ على وجوب الجهاد مع ثلاثة أصناف: البغاة، وأهل الكتاب إذا امتنعوا عن الجزية، وسائر الكفّار، واعتبر إدخالهم في الإسلام مقصداً شرعياً. والعلاّمة الحلّي (العلاّمة الحلّي، 1409ق: ج١، ص٢٣٤-٢٣٥) تابع هذا الاتجاه، فأجاز الجهاد الابتدائي من أجل «نقل الكفّار إلى الإسلام». كما قرّر آقا ضياء العراقي (العراقی، ١٤١٤ق: ج٤، ص٣١٧) أنّ الجهاد قد يكون لإعلاء الدين أو للدفاع، مؤكداً البُعد الابتدائي فيه. وأمّا السيّد الخوئي فقد صرّح في منهاج الصالحين أنّ المشركين إذا دُعوا إلى الإسلام فأبوا، وجب قتالهم (الخوئي، ١٤١٠ق: ج١، ص٣٦٠).
في الفقه العامی: الجصّاص (الجصّاص، 1405ق: ج٤، ص٣١٢) اعتبر الجهاد الابتدائي واجباً كفائيّاً، وغايته إمّا إسلام الكافر وإمّا دفع الجزية. والسرخسي (السرخسي، [دت]: ج٣، ص١٠) أكّد أنّ الدعوة إلى الإسلام شرطٌ أوّل، فإذا رفضها الكفّار وجب قتالهم. وابن الهمّام (ابن الهمّام، [دت]: ج٥، ص٤٣٥) سار على النهج نفسه، فجعل القتال مشروعاً لمجرّد الكفر بعد الدعوة.
هذه الآراء تمثّل الاتجاه التاريخي الغالب في الفقه الإسلامي، حيث جرى التعامل مع الكفر بصفته علّةً كافية للجهاد، ولو لم يكن ثَمّة عدوان أو نقض عهد.
2-4. آراء الفقهاء والمفكّرين الرافضين للجهاد الابتدائي
في مقابل هذا الاتجاه التقليدي، ظهر عدد من الفقهاء والمفكّرين، من الشيعة والسنّة، ينكرون مشروعية الجهاد الابتدائي، ويرون أنّ جميع غزوات النبيّ (ص) وأحكام القرآن إنما تتعلّق بالدفاع وردّ العدوان.
في المدرسة الإماميّة المعاصرة: الشهيد مطهري يؤكّد أنّ «ماهية الجهاد دفاعٌ، ولا يمكن أن يكون سوى مواجهة مشروعة للعدوان»، ويرى أنّ الآيات المطلقة في القتال يجب أن تُفهم في ضوء الآيات المقيَّدة التي تربط القتال بالاعتداء (مطهري، ١٣٩٠ش: ج٢٠، ص٢٤٠-٢٥٤).
في المدرسة العامی الإصلاحية: رشيد رضا (رشيد رضا، 1990م: ج٢، ص٢١٥) يقرّر أنّ جميع قتال النبيّ (ص) كان دفاعاً عن الحقّ وتأميناً لحرّيّة الدعوة. ومن المفكّرين المعاصرين، يؤكّد يوسف القرضاوي (القرضاوي، ٢٠٠٦م: ص١٤٥-١٧٨) في فقه الجهاد أنّ الجهاد منحصرٌ في أربعة مقاصد: ردّ العدوان، إنقاذ المستضعفين، ضمان حرّيّة الدعوة، وتأديب ناقضي العهود، نافياً أيّ أساس فقهي لإكراه الناس على الإسلام. وأبو زهرة (أبو زهرة ، ١٤١٥ق: ص٩٨) يصرّح بأنّ النبيّ لم يقاتل إلا لدفع عدوان واقع وتأمين حرّيّة البلاغ.
هذا الاتجاه الإصلاحي يستند إلى القراءة السياقية للآيات، ويرى أنّ النصّ القرآني لا يسمح بقتال ابتدائي، بل يجعل الحرية الدينية أصلاً راسخاً.
3-4. نظرة على مستندات الجهاد القرآني
الآيات 190 الی 193 من سورة البقرة: الآيات 190 إلى 193 من سورة البقرة تُعتبر من أقوى الأدلة على الجهاد الدفاعي في القرآن الكريم. حيث جاء في قوله تعالى: «وَقَاتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ الَّذِینَ یُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا یحِبُّ الْمُعْتَدِینَ» (البقرة/190). هذه الآية تُحدِّد أن الجهاد يجب أن يكون ردًا على العدوان من الآخرين، وتُبين أن المسلم لا ينبغي له أن يهاجم أو يعتدي أولاً. عبارة «وَلا تَعْتَدُوا» تشير إلى منع أي نوع من أنواع العدوان الابتدائي. كما أنه في الآيات التالية، يُؤمر المسلمون بدفع المعتدين الذين طردوهم من أراضيهم: «فَاقْتُلُوا الَّذِینَ یُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا یحِبُّ الْمُعْتَدِینَ»(البقرة/191-193). هذه الآيات تُوضح بشكل قاطع أن الجهاد في القرآن هو دفاعي فقط ولا يتعلق بفرض الدين على الآخرين.
العلامة الطباطبائي في تفسيره «المیزان» يعتبر هذه الآيات جزءًا من سياق واحد، ويرى أن هذه الآيات جميعها تدل على أن الجهاد مشروع فقط في حالة الدفاع ضد المعتدين. يوضح أن القيود الموجودة في الآيات مثل «الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» و «الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ» و «دَفْعِ الْفِتْنَةِ» تشير إلى أن الجهاد يتمثل في دفع العدوان وليس في فرض عقيدة جديدة. وهذا التأكيد يعزز الفهم بأن الجهاد في الإسلام هو دفاعي وليس هجومي(الطباطبائي، 1390ش: ج2، ص61).
رشيد رضا في تفسيره «المنار» يؤكد نفس المعنى قائلاً: «جميع قتال النبي صلى الله عليه وسلم كان للدفاع عن الحق ومن أجل حماية دعوة الحق». ويُشير إلى أن دعوة الأعداء إلى الإسلام قبل القتال كانت مجرد شرط لجواز القتال، وليست هدفًا للحرب نفسها. بناءً على ذلك، هذه الآيات تؤكد الجهاد الدفاعي وتظهر عدم وجود أي دليل على الجهاد الابتدائي(رشیدرضا، 1990م: ج2، ص215).
الآية 216 من سورة البقرة: الآية 216 من سورة البقرة تقول: «كُتِبَ عَلَیكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ...» (البقرة/216). في الظاهر، تظهر هذه الآية فرض القتال دون أن تُذكر الأسباب بشكل مفصل. بعض المفسرين مثل ابن عاشور قد فسروا هذه الآية على أنها شاملة للقتال الدفاعي والابتدائي. لكن الكاتب في المقال يرى أن هذا الفهم غير دقيق لأن الآية يجب أن تُفهم في سياق الآيات التي قبلها وبعدها والتي جميعها تشير إلى الجهاد الدفاعي. وبناءً على هذا الفهم، يمكن القول أن الآية تشرح مجرد وجوب القتال دون أن تُصرح بجواز الجهاد الابتدائي.
من الناحية الأصولية، الاستناد إلى الإطلاق في هذه الآية غير مقبول، لأن «مقدمات الحكمة» ليست مكتملة. الله سبحانه وتعالى في هذه الآية في مقام بيان أصل وجوب القتال وليس في مقام التفصيل لأقسامه. بالإضافة إلى ذلك، هناك قرائن مقالية وحالية في الآيات المجاورة، مثل الآيات من 190 إلى 193، التي تقيّد القتال وتُشير إلى أنه دفاعي وليس هجومي. لذا، لا يمكن الاستدلال بهذه الآية على الجهاد الابتدائي.
الآية 74 و 75 من سورة النساء: في الآية 84 من سورة النساء، قال الله تعالى: «فَاقْتُلْ فِی سَبِيلِ اللَّهِ لَا تَكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَی اللَّهُ أَنْ يَكْفَأَ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا...» (النساء/84). في هذه الآية، يتضح أن القتال هو لمنع «بَأْسِ» العدو، أي دفع الأذى والعدوان. فقد فسر راغب الأصفهاني كلمة «كف» بأنها تعني المنع والدفع، مما يوضح أن هذه الآية تتعلق بجهاد دفاعي، حيث أن الهدف هو منع عدوان العدو وليس شن حرب بسبب الكفر. عند دراسة سياق هذه الآية، يظهر أن الجهاد في هذا القسم من القرآن موجه لدعم المستضعفين الذين تعرضوا للظلم من أعدائهم (النساء/75-77). ثم في الآيات التالية (النساء/90)، ينهى الله المسلمين عن القتال مع أولئك الذين توقفوا عن القتال وعقدوا صلحًا. هذا يبين بوضوح أن الجهاد مشروع فقط في حالة استمرار العداء والظلم.
الآية 74 من سورة النساء تقول: «فَلْيُقَاتِلْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ الَّذِینَ يَشْرُونَ الْحَیَاةَ الدُّنْیَا بِالْآخِرَةِ...» (النساء/74). في الظاهر، الآية تصف الأشخاص الذين يفضلون الدنيا على الآخرة، ولكن الكاتب يوضح أن هذه الأوصاف ليست السبب في القتال بل هي مجرد وصف للعدو. الفهم الصحيح هنا هو أن السبب في القتال هو العداء العملي ضد المسلمين، وليس الكفر أو الشر.
الآيات 1 الی 7 من سورة التوبه: تبدأ آیات الأولى من سورة التوبة ببيان براءة من الله ورسوله إلى الذين نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم: «بَرَاءةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (التوبة/1). هذه الآية تتعلق بالمشركين الذين خالفوا اتفاقاتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ليست دعوة للحرب مع جميع المشركين، بل تهدف إلى إلغاء تعهدات سابقة مع هؤلاء الذين نقضوا العهد. يوضح الكاتب في مقاله: «هذه الآيات تشير إلى إلغاء التعهدات السابقة مع المشركين الناكثين وليس مع جميع المشركين» (ص.14). وبالتالي، فإن البراءة هنا تعني عدم الثقة بالمخالفين وتحذيرًا من خيانتهم، وليس دعوة إلى بدء حرب مع كل المشركين.
فيما بعد، يمنح الله المشركين الذين نقضوا العهد فرصة مدتها أربعة أشهر للتفكير وإصلاح حالتهم: »فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ...« (التوبة/2). هذه المهلة تعتبر من رحمة الله، حيث يعطى لهم وقتًا على الرغم من خيانتهم. في هذا السياق، يكتب المجلسي في «بحار الأنوار»: «نظرًا لأن المشركين خالفوا العهد مرارًا، أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بإلغاء العهود معهم وإعلان البراءة منهم» (المجلسي، 1384ش: ج4، ص1283). هذه الشهادة تبيّن أن لهجة القرآن الشديدة تقترن بالفرصة والرحمة التي أتاحها الله.
أما في الآية الثالثة، يتم توسيع الإعلان العام للبراءة ويقول الله تعالى: «وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ...» (التوبة/3). ومع ذلك، هناك استثناء، حيث يتم احترام أولئك المشركين الذين يلتزمون بالعهد حتى نهاية مدة اتفاقهم: «وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ...» (التوبة/4). الطبرسي في «مجمع البيان» يوضح: «المقصود من ذلك هو أن الله ورسوله يعلنون البراءة من الذين نقضوا العهد، أما من حافظ على العهد، فيجب احترامه حتى انتهاء فترة الاتفاق» (الطبرسي، 1360ش: ج11، ص9). هذا التوضيح يثبت أن سياق الآيات يحدد بوضوح أن القتال يجب أن يكون ضد الناكثين للعهد فقط وليس ضد جميع المشركين بشكل عام.
أما في الآية الخامسة، المعروفة بآية السيف، يقول الله تعالى:« فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ...» (التوبة/5). بعض الفقهاء يعتقدون أن هذه الآية ناسخة للآيات السابقة وتعتبر دليلاً على الجهاد الابتدائي. لكن الكاتب يوضح أنه يجب فهم هذه الآية في سياق الآيات السابقة واللاحقة، التي تميز بين المشركين الناكثين للعهد وأولئك الذين التزموا به. ابن قیم في «زاد المعاد» يصف هذه الآية كمرحلة رابعة في تشريع الجهاد ضد المشركين (ابن القیم، 1406ق: ج3، ص159).
وفي الختام، التفسير النهائي لهذه الآيات يشير إلى أن آيات سورة التوبة، بما في ذلك آية السيف، تخص فقط المشركين الذين نقضوا العهد. الطبري في تفسيره يذكر: «لأن المشركين قد خانوا العهد، أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بإلغاء عهودهم» (الطبري، 1360ش: ج11، ص9). لذلك، لا يمكن اعتبار هذه الآية ناسخة للآيات السابقة التي تشير إلى الجهاد الدفاعي. على هذا النحو، تتضح أن جميع الآيات التي تتعلق بالجهاد هي ضمن إطار الدفاع عن النفس ضد المعتدين وليس فرضًا للإسلام بالقوة على غير المسلمين.
4-4. الخلاصة بشأن الجهاد الابتدائي من منظور القرآن الكريم
بعد دراسة مقارنة لآراء فقهاء الشيعة والسنة وتحليل آيات القرآن الكريم، يمكننا الوصول إلى أن القرآن لا يبيح القتال فقط بسبب الكفر أو الشرك. عندما نأخذ الآيات في سياقها الصحيح، نجد أن السبب الرئيس للجهاد هو الدفاع ضد العداء الفعلي، ومحاربة المسلمين، ونقض العهود، وخيانة المشركين، وليس الاعتقاد أو الإيمان الديني لهم. لهذا، فإن الفهم التقليدي الذي يقسم الجهاد إلى "ابتدائي" و"دفاعي" لا يتماشى مع تعاليم القرآن. مصطلح "الابتدائي" في الواقع ناتج عن ظروف تاريخية وأحكام حكومية خاصة في زمان معين، ولا يمكن ربطه بالنص القرآني. القرآن لم يشرع الجهاد بسبب الكفر أو الشرك.
لذا يجب إعادة تعريف الجهاد بشكل يتناسب مع مفهوم "الدفاعي". الجهاد في القرآن ينقسم إلى نوعين: الأول هو الجهاد الدفاعي بالمعنى الأخص، الذي يتعلق بالتصدي المباشر لهجوم العدو والدفاع عن الأراضي الإسلامية. الثاني هو الجهاد الدفاعي بالمعنى الأعم، الذي يتعامل مع محاربة من نقضوا العهود أو خانوا أو ساعدوا أعداء الأمة الإسلامية. حتى إذا بدأ المسلمون في هذه الحالة القتال، فإن الهدف هو دفع الظلم وحماية الأمن، لذا يبقى الجهاد دفاعيًا.
بناءً على ذلك، فإن الآراء التي تجعل الجهاد الابتدائي وسيلة لإجبار غير المسلمين على الإسلام أو فرض الجزية بسبب الكفر ليست مدعومة بنص قرآني. هذه الآراء ناتجة عن الافتراضات التاريخية والاجتماعية ولا يمكن استنتاجها من الوحي الصريح. ما استنبطه الفقهاء من بعض قرارات النبي (ص) والأئمة (ع) هو نتيجة للمصالح الحكومية المرتبطة بالزمان والمكان ولا يمكن ربطها بالجهاد الابتدائي. وهذا الاختلاف بين مصالح السياسة ومفاسد التشريع الدائم خلق تفسيرات غير صحيحة.
في الخلاصة، يمكن القول إن جوهر الجهاد في القرآن هو دفاعي، ولا يوجد أي مشروعية لإجبار الكفار على الإسلام. هذه القراءة تتماشى تمامًا مع المبادئ القرآنية مثل "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة/256). الجهاد في الإسلام هو وسيلة للدفاع عن الحق، ومكافحة الظلم، وضمان حرية الدعوة الدينية. لذلك، فإن الجهاد في القرآن ليس وسيلة للإجبار أو فرض الدين، بل يرتبط دائمًا بالدفاع عن الحرية الدينية ومكافحة الظلم.
5. نقد مبانی الجهاد لدى الجماعات التكفيرية
حاولت الجماعات التكفيرية-السلفية في العالم الإسلامي من خلال الاعتماد على تفسيرات معينة للنصوص الدينية، خاصة مفهوم "الجهاد"، بناء شرعية أيديولوجية لأعمال العنف التي تقوم بها. هذه الجماعات، من خلال التركيز على ظاهر آيات القتال وبدون النظر إلى السياق والتفسير الصحيح، اعتبرت الجهاد مرادفاً للحرب وسفك الدماء، واعتبرته فرضاً دائماً على جميع المسلمين. في حين أن القرآن يقدم للجهاد معنى أوسع، وهو لا يقتصر على الجانب العسكري فقط.
أحد المبادئ الأساسية لهذه الجماعات هو محورية الجهاد الابتدائي. فهم يعتقدون أن المسلمين ملزمون بالحرب ضد جميع غير المسلمين حتى يُقام دين الله في كل مكان. بينما القرآن الكريم أكد مراراً أن الحرب مشروعة فقط عندما تكون للدفاع ضد العدوان: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُوا» (الحج/39). إذاً، مشروعية الجهاد في القرآن ليست للعدوان بلا مبرر بل للدفاع ضد الظلم والاعتداء.
كما أن هذه الجماعات قد اعتمدت على تكفير المسلمين الآخرين كأساس لجهادهم. حيث يعتبرون بسهولة أن المسلمين الذين يختلفون معهم فقهياً أو عقائدياً كفاراً ومرتدين ويبيحون قتلهم. بينما يوضح القرآن الكريم أن قتل المسلمين خطيئة عظيمة: «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا» (النساء/93). ولذلك، فإن أي نوع من الجهاد ضد المسلمين يتناقض مع النص القرآني بشكل واضح.
أحد المبادئ الأخرى لهذه الجماعات هو العولمة في الحرب. إذ يعتقدون أن الإسلام لا حدود له سوى حدود العقيدة، ويجب أن يتم الجهاد ضد كل غير مسلم أو مسلم مخالف. في حين أن القرآن الكريم يوضح بشكل صريح مبدأ التعايش السلمي: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (الممتحنة/8). هذه الآية تظهر أن الإسلام لا يجيز الحرب ضد غير المسلمين الذين لم يقاتلونا.
وتقوم هذه الجماعات أيضاً بتبسيط مفهوم الجهاد بحيث يمكن لأي شخص عادي أن ينخرط في الحرب دون الحاجة إلى رأي العلماء. بينما في القرآن، الجهاد هو عمل منظم ويجب أن يتم تحت قيادة المجتمع الإسلامي. الفوضى والتحركات الفردية ليست مشروعة بل تؤدي إلى الفساد في الأرض: «وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» (القصص/77).
في التفكير القرآني، الدعوة والهدى تأتي قبل الحرب. الآية «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ» (البقرة/193) في سياقها تعني إزالة الموانع من الإيمان وإنهاء الأذى والفتنة من أعداء الإسلام، لا فرض العقيدة. كما أن النبي (ص) كان مكلفاً بالدعوة أولاً: «ادْعُ إِلِی سَبِيلِ رَبِّکَ بِالْحِکْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» (النحل/125). لذلك، فإن تفكير الجماعات التكفيرية الذي يضع الجهاد فوق الدعوة يتناقض مع القرآن.
أحد السمات البارزة في الفكر التكفيري هو العنف غير المحدود في الحرب: تشويه الأجساد وقتل النساء والأطفال، وتدمير الأماكن المقدسة، وحتى استخدام أساليب الإرهاب. بينما القرآن الكريم ينهى بوضوح عن هذه الأفعال. القرآن يحدد أن القتال يجب أن يكون ضد من يقاتلون المسلمين فقط: «وَقَاتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ الَّذِینَ یُقَاتِلُونَکُمْ وَلَا تَعْتَدُوا» (البقرة/190). تشير كلمة "لَا تَعْتَدُوا" إلى حظر أي عنف خارج الحدود المقررة.
تدعي الجماعات التكفيرية أنها تنفذ الشريعة من خلال عنفها، لكن القرآن يقدم السلام والرحمة كأصل: «وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا» (الأنفال/61). هذه الآية توضح أنه إذا أبدى العدو رغبة في السلام، فإن الحرب لم تعد مشروعة. وبناءً على ذلك، فإن سياسة العنف المستمر والإرهاب في الفكر التكفيري تتناقض مع المبدأ القرآني للسلام.
من الانحرافات الأخرى لهذه الجماعات هو تجاهل العدالة في الحرب. القرآن يوجه: «قَاتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ... وَلَا یَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَی أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى» (المائدة/8). حتى في العداوة، يجب مراعاة العدالة. بينما يرى التكفيريون أن العداوة مبرر لقتل الأبرياء، وهو ما يتعارض تماماً مع المبدأ القرآني للعدالة.
في الختام، يمكن القول إن مبادئ الجهادية التكفيرية تشمل تكفير المسلمين، فرض العقيدة، عولمة الحرب، العنف المفرط، وتبسيط الجهاد. في المقابل، يقدم القرآن الكريم الجهاد في إطار الدفاع، الدعوة، العدالة، واحترام الكرامة الإنسانية. من هنا، يمكن استنتاج أن الجماعات التكفيرية، من خلال تحريف مفهوم الجهاد، استخدمت هذا المفهوم كأداة سياسية لتحقيق السلطة، في حين أن تعاليم القرآن ترتبط أساساً بنهج سلمي، دعوي ودفاعي.
5-1. آراء العلماء المعاصرين حول منهج التكفيریین
في العصر الحديث، قامت الجماعات التكفيرية بالاعتماد على الأفكار المنحرفة لابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، مما أحدث موجة من العنف والانقسام في العالم الإسلامي. وقد أدان علماء أهل السنة والشيعة هذه الجماعات. أكد شيخ الأزهر أحمد الطيب أن التكفير حق إلهي وليس بشريًا؛ لذلك، لا يجوز لأي فرد عادي أن يكفّر أحدًا إلا إذا حكم القاضي الشرعي بالأدلة القطعية. وحذر من أن الاستغلال السيء لحكم التكفير يؤدي إلى الفتنة وتفرقة الأمة الإسلامية (بژوهنده، 1386: ص 112).
من بين الفتاوى البارزة، فتوى الشيخ يوسف القرضاوي التي أصدرها بعد المؤتمر الدولي للمذاهب الإسلامية في عمان. في فتواه المفصلة، صرّح بأن من نطق بالشهادتين فهو مسلم ويتمتع بكامل حقوق المسلم، حتى وإن لم يكن إيمانه في قلبه. كما حرّم تكفير أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى لمجرد الاختلاف في الرأي واعتبره فتنة خطيرة لوحدة الأمة (القرضاوي، 2006م: ص 159-186).
في إطار النقد، قام محمود صبيح بانتقاد ابن تيمية في كتابه «أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله وأهل بيته»، حيث أظهر أن ابن تيمية، على عكس النبي (ص) الذي كان يحترم دماء المسلمين، كان يبيح قتلهم (الصبيح، 2006: ص 5-6، 28، 264). كما انتقد عبدالله هروي أفكار ابن تيمية في كتابه «المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية»، مؤكدًا أن أفكار ابن تيمية ضلال وخلاف للسنة (ابن تيمية، 1431ق: 18؛ الهروي، 1417ق: ص 183، 189).
5-2. التكفير في السنة والسيرة النبوية
يصف القرآن الكريم النبي محمد (ص) بأنه «رحمة للعالمين» (الأنبياء/107)، مما يعني أن رحمته تشمل المؤمنين والكافرين وأهل الكتاب (طباطبائي، 1417ق: ج14، ص 467). كانت طريقة دعوة النبي في بداية الرسالة دعوة حكيمة بالحكمة والموعظة الحسنة: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» (النحل/125). لذلك، لم يكن التكفير والقتال هو المرحلة الأولى، بل كان آخر خطوة في مواجهة العداء الواضح.
في سيرة النبي (ص)، أكد النبي على أن قول الشهادتين يعتبر دليلاً على الإسلام. في حديث، عندما وصف أحدهم آخر بالمنافق، قال النبي (ص): «ماذا تفعلون بـ 'لا إله إلا الله'؟» (مسلم، [دت]: ج1، ص 56). هذه الرواية توضح أن معيار الخروج من الإسلام كان قاسيًا جدًا ولم يكن التكفير مسموحًا به بسهولة.
كما أن تعامل النبي (ص) مع غير المسلمين كان في غاية التسامح. القرآن يوجه: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ... أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ» (الممتحنة/8). وكان النبي في الواقع قد عقد معاهدات مع اليهود والمسيحيين، وعاملهم باحترام طالما لم ينقضوا العهد (ابن القيم، 1408ق: ج3، ص 158).
إن منهج النبي (ص) وسيرة أئمة أهل البيت (ع) وأهل السنة جميعهم يظهرون أن التكفير هو المرحلة الأخيرة ويحتاج إلى دليل قطعي. الأصل هو التسامح والحفاظ على الوحدة. أما التكفير المنتشر اليوم من قبل الجماعات التكفيرية، فإنه لا يستند إلى القرآن أو السنة، بل هو بدعة تاريخية نشأت من الانحراف الفكري لابن تيمية وأتباعه (سبحاني، 1416ق: ص 44).
6. النتائج
القرآن الكريم يعرّف الجهاد في المقام الأول على أنه "السعي والجهد في سبيل الله"، وليس مجرد الحرب والقتال. في آيات متعددة مثل "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا" (العنكبوت: 69)، يشير الجهاد إلى الجهاد العلمي، والأخلاقي، والروحي. في الرؤية القرآنية، الجهاد مفهوم شامل يشمل "الجهاد الأكبر" أي مواجهة النفس والشيطان، وكذلك "الجهاد الأصغر" الذي يتعلق بالدفاع المشروع ضد العدوان. وبالتالي، يُعتبر الجهاد أكثر من مجرد أداة للعنف؛ بل هو وسيلة لتحقيق الكمال الإنساني ورفع المجتمع.
القرآن يشرع الحرب والقتال كأحد أشكال الجهاد في ظروف خاصة وفي إطار "الدفاع". يقول الله تعالى: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" (الحج: 39). هذه الآية تبين أن القتال يصبح مشروعًا فقط بعد الظلم والاعتداء من الأعداء. كما تؤكد آيات أخرى مثل (البقرة: 190) على ضرورة مراعاة الحدود الإلهية في الحرب؛ بمعنى أنه يجب تجنب تجاوز العدالة، وأن الحرب يجب أن تكون فقط في مواجهة المعتدين. لذلك، الجهاد في القرآن، على عكس التصورات المتطرفة، لا يعني العنف غير المبرر.
في التقليد الفقهي، للجهاد فروع وآداب واضحة تعكس احترام كرامة الإنسان وتحديد القيود الأخلاقية في الحرب. فقد أكد الفقهاء على تحريم قتل النساء، الأطفال، كبار السن، وغير المقاتلين. كما ورد في المصادر الروائية أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) نهى عن التمثيل بالجثث، وتدمير الأراضي والمزارع، وحبس الماء عن الأعداء، وتعذيب الأسرى. حتى في الجهاد الابتدائي، كان الدعوة إلى الإسلام والسلام مقدمة. وبالتالي، تم تصميم فروع الجهاد في الإسلام بطريقة تمنع العنف غير المبرر وتؤسس للرحمة والعدالة في ساحة المعركة.
القرآن الكريم يوازن بين الجهاد والسلام. في قوله: "وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا" (الأنفال: 61)، يظهر أن الميل إلى السلام يجب أن يسبق الحرب، وأن الجهاد المسلح لا يصبح ضرورة إلا عندما تهدد السلامة والأمن في المجتمع الإسلامي. وبهذا الشكل، يُعد الجهاد في القرآن أداة لنشر العدالة ودفع الظلم، وليس هدفًا مستقلًا أو وسيلة للهيمنة. هذا المبدأ الأساسي يشكل الفارق بين الإسلام الرحماني والتفسيرات المتطرفة للجهاد.
في المقابل، قامت الحركات السلفية-التكفيرية بتحريف مفهوم الجهاد وجعلوه أداة للعنف والسعي للهيمنة. هؤلاء الجناة، من خلال توسيع دائرة التكفير، يرون أن المسلمين الآخرين أعداء ويبيحون قتلهم. في حين أن القرآن الكريم يعتبر قتل إنسان بريء بمثابة قتل جميع البشر: "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا" (النساء: 93). جماعات مثل القاعدة وداعش، على عكس نصوص القرآن وإجماع علماء الإسلام، جعلوا الجهاد من فروع الدين إلى أصوله وجعلوه مجرد قتال وإرهاب.
لذلك، يتضح أن الجهاد القرآني هو مفهوم شامل، رحماني، ويخدم العدالة، في حين أن الجهاد التكفيري المتطرف هو تحريف خطير لهذه التعاليم. القرآن الكريم، النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وسيرة الأئمة (عليهم السلام) يؤكدون على السلام والعدالة واحترام كرامة الإنسان؛ في حين أن المتطرفين يستغلون الجهل الديني والدوافع السياسية لتحويل تعاليم رحمانية إلى أيديولوجيا عنف. العودة إلى القرآن والسنة الأصلية هي الحل الأساسي لمواجهة التفاسير التكفيرية وضمان وحدة وأمن الأمة الإسلامية.
المصادر
قرآن الکریم.
آخوندي، مصطفى، إلهامينیا، علياصغر، و فرقاني، قدرتالله. (1384ش). الجهاد: تفسير الكرامة والفخر (نظرة دفاعية ١). طهران: زمزم هداية.
ابنالقيم، محمد بن أبيبكر. (1408ق). زاد المعاد في هدي خير العباد (ج 3). بيروت: مؤسسة الرسالة.
ابنتيمية، أحمد بن عبدالحليم. (1431ق). الصارم المسلول على شاتم الرسول (تحقيق محيالدين عبد الحميد). المملكة العربية السعودية.
ابنهمام، كمالالدين محمد بن عبدالواحد. (بلا تاريخ). فتح القدير. بيروت: دارالفكر.
ابنمنظور، محمد بن مكَرّم. (1414ق). لسان العرب. بيروت: دار صادر.
ابو زهرة، محمد. (1415ق). العلاقات الدولية في الإسلام. القاهرة: دارالفكر العربي.
الإمام خميني، روح الله. (1363ش). كتاب الطهارة (ج 3). طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام خميني.
الإمام خميني، روح الله. (1384ش). ترجمة تحرير الوسيلة (ترجمة علي اسلامي). قم: دفتر انتشارات اسلامي.
الإمام سجّاد، علي بن الحسين. (1376ش). الصحيفة السجادية (ترجمة الهي قمشهاي). طهران: پیام آزادی.
بغوي، حسين بن مسعود. (1420ق). معالم التنزيل (تحقيق عبدالرزاق المهدی). بيروت: دار إحياء التراث العربي.
بيضاوي، عبدالله بن عمر. (1418ق). أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تحقيق محمد عبدالرحمن المرعشلي). بيروت: دار إحياء التراث العربي.
جعفري، محمدتقي. (1365ش). جهاد في الإسلام (جمعآوري محمدرضا جوادي). طهران: دفتر نشر فرهنگ اسلامي.
جصاص، أحمد بن علي. (1415ق). أحكام القرآن. بيروت: دار الكتب العلمية.
جزائري، جابر بن موسى. (1424ق). أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير. المدينة: مكتبة العلوم والحكم.
جزائري، نورالدين محمد بن نعمة الله. (1407ق). فروق اللغات في التمييز بين مفاد الكلمات. دمشق: المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
حلي، جعفر. (1409ق). شرائع الإسلام (الطبعة الثانية). طهران: استقلال.
حلي، حسن بن يوسف بن مطهر. (1414ق). تذكرة الفقهاء. قم: مؤسسة آل البيت.
حر عاملي، محمد بن حسن. (1412ق). وسائل الشيعة (ج 11). قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
حويزي، علي بن جمعة. (1415ق). تفسير نور الثقلين. قم: انتشارات اسماعيليان.
خويي، سيد أبو القاسم. (1410ق). منهاج الصالحين. قم: مؤسسة نشر.
خويي، سيد أبو القاسم. (1407ق). كتاب الطهارة (ج 2). قم: مطبعة الآداب.
راغب اصفهاني، حسين بن محمد. (1412ق). مفردات ألفاظ القرآن. بيروت: دار القلم.
رشيد رضا، محمد. (1990م). تفسير المنار. مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
زمخشري، محمود. (1407ق). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. بيروت: دار الكتب العربي.
سرخسي، شمس الدين محمد بن أحمد. (د.ت). المبسوط. بيروت: دار الفكر.
سبحاني، جعفر. (1416ق). الإيمان والكفر في الكتاب والسنة. قم: مؤسسة الإمام صادق (ع).
سبحاني، جعفر. (1375ش). الميثاق الأبدي (ج 7). قم: مؤسسة الإمام صادق (ع).
سمعاني، أبو الحسن مظفر. (1418ق). تفسير القرآن. الرياض: دار الوطن.
سيوطي، جلال الدين. (1404ق). الدر المنثور في تفسير المأثور. قم: مكتبة آية الله مرعشي نجفي.
صادقي تهراني، محمد. (1365ش). الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن. قم: فرهنگ اسلامی.
صبيح، محمد السيد. (2006م). أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله وأهل بيته. القاهرة: دار المحجة.
طباطبائي، سيد محمد حسين. (1390ش). المیزان في تفسير القرآن (ج 4). قم: دفتر انتشارات اسلامي.
طباطبائي، سيد محمد حسين. (1417ق). المیزان في تفسير القرآن (ج 14 و ج 19). قم: دفتر انتشارات اسلامي.
طبري، محمد بن جرير. (1360ش). جامع البيان عن تأويل آي القرآن (ج11). طهران: شركة انتشارات علمي و فرهنگي.
طبرسي، فضل بن حسن. (1411ق). مجمع البيان في تفسير القرآن (ج11). طهران: ناصر خسرو.
طوسي، محمد بن حسن. (1407ق). تهذيب الأحكام. طهران: دار الكتب الاسلامية.
طيب، عبد الحسين. (1378ش). أطيب البيان في تفسير القرآن. طهران: اسلام.
عراقي، ضياء الدين. (1414ق). شرح تبصرة المتعلمين، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة النشر الاسلامي.
عراقي، ضياء الدين. (1414ق). مقالات فقهية. قم: منشورات.
فخر رازي، محمد بن عمر. (1420ق). مفاتيح الغيب. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
قاضي، حسن. (1357ش). الجهاد. طهران: انتشارات اسلامي.
قايمنيا، عليرضا. (1390ش). الدلالة المعرفية للقرآن الكريم. طهران: پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامي.
قرائتي، محسن. (1378ش). تفسير النور. قم: في طريق حق.
قرضاوي، يوسف. (2006م). "فتوى التكفير". في إجماع المسلمين على احترام مذاهب الدين (صص 159-186). عمان: آل البيت.
كاشف الغطاء، جعفر بن خضر. (1422ق). كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء (ج 4). قم: دار إحياء التراث العربي.
محمدي ريشهري، محمد. (1377ش). میزان الحکمة (ج 2). قم: دار الحديث.
مدیر شانهچی، کاظم. (1380ش). آیات الاحکام. طهران: سمت.
مجلسی، محمدباقر. (1384ش). بحارالأنوار. قم: دار الكتب الاسلامية.
مدرسي، سيد محمدتقي. (1419ق). تفسير من هدي القرآن. طهران: دار محبيالحسين.
مسلم بن حجاج، أبو الحسين. (بلا تاريخ). صحيح مسلم. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
مطهري، مرتضي. (1388 ش). مجموعه الآثار (ج 20 و 27). طهران: صدرا.
مطهري، مرتضي. (1390ش). مجموعه الآثار (ج 20 و 27). طهران: صدرا.
مطهري، مرتضي. (1385ش). جاذبه و دافعه لالامام علي (ع). طهران: صدرا.
مکارم شیرازی، ناصر، و همکاران. (1376ش). تفسير نمونه. طهران: دار الكتب الاسلامية.
مکارم شیرازی، ناصر، و همکاران. (1374ش). تفسير نمونه. طهران: دار الكتب الاسلامية.
نوری، حسین. (1368ش). الجهاد. طهران: دفتر نشر فرهنگ اسلامي.
نجفی، محمدحسن. (1362ش). جواهر الکلام في شرح شرائع الإسلام (ج 35، تحقيق عباس قوچاني). بيروت: دار إحياء التراث العربي.
نوری الطبرسی، حسین بن مسعود. (1411 ق). مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل. بیروت: مؤسسه آل البیت علیهم اسلام لأحیاء التراث.
وحيدي، محمد. (1381ش). فلسفه و اسرار الاحکام (ج 2). قم: عصمت.
هروي، عبدالله. (1417ق). المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية (الطبعة الثانية). بيروت: دار المشاريع.